قصة يوسف عليه السلام

شابٌ في ريعان الشباب، مكتمل الرجولة ، رائع الفتوة، تدعوه إلى نفسها امرأة ذات منصب وجمال، والأبواب مغلقة، والسبل ميسرة كما حكى القرآن الكريم: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ ( ) .
فماذا كان موقفه أمام هذا الإغراء وتلك الفتنة التي تخطف الأبصار؟
هل لانت نفسه واستسلم وخان عرضًا أؤتمن عليه؟
كلا .. إنما قال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾( ).
ولقد حاولت امرأة العزيز بكيدها ومكرها وبكل ما لديها من ألوان الإغراء والتهديد أن تذيب من صلابته وتضعضع من شموخه، وأعلنت ذلك للنسوة في ضيق وغيظ: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾( ) .ولكن الشاب يوسف عليه السلام اتجه بكليته إلى الله يسأله المعونة والعصمة: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ( ) .
كانت فتنة بين ضمير المؤمن وخشيته الربانية، وبين مغريات الإثم، ففشلت المغريات وانتصر الإيمان( ).
ولنا بعض الوقفات مع هذا الموقف :
الوقفة الأولى : إن الاستعانة بالله واللجوء إليه والاستعاذة به والفرار إليه من أقوى أسباب العفة والنجاة من الخطيئة، ولقد تجلى ذلك في قوله: ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾، قال أبو السعود: «وهذا إشارة إلى أنه منكر هائل يجب أن يعاذ بالله تعالى للخلاص منه»( ).
كما ظهر ذلك في مناجاته عليه السلام حين قال: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾( ) .
فظهرت ثمار الاستجابة الربانية: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾( ) ، وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ ( ).
وهذا التابعي الجليل عامر بن عبدالله يدعو الله أن يعصمه فيقول: «لم يكن شيء أخوف عليَّ في ديني من النساء، فسألت ربي أن ينزع من قلبي حبهن»( ).
الوقفة الثانية: عدم الاغترار بالنفس والركون إلى ما لديها من الإيمان والتقوى وعدم الثقة الزائدة بها، مما يجرئ على اقتحام الفتن والخوض بها على أمل عدم الافتتان، بل إن الأوْلَى في حق المؤمن هو اتهام النفس والخوف من انزلاقها حتى تبقى جذوة الإيمان مشتعلة، ويبقى الحذر دائمًا ويكون الاعتزال وترك مواطن الفتنة هو سبب الوقاية، وقد ظهر ذلك في قوله ڠ ، وهو نبي الله وصفوته من خلقه: ﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾.
الوقفة الثالثة: حول قضية ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾( ): فإن من الأقوال الراجحة التي تستقيم مع مقام النبوة وسياق الآيات في قوله: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ أي همت بمخالطته عن عزم وقصد وتصميم، وأما قوله تعالى ﴿ وَهَمَّ بِهَا ﴾، فقد قيل: أي مالت نفسه بمقتضى طبيعة البشرية دون عزم وقصد ( ).
قال الإمام الفخر: «الهمّ خطور الشيء بالبال أو ميل الطبع كالصائم في الصيف يرى الماء البارد فتحمله نفسه على الميل إليه، وطلب شربه، ولكن يمنعه دينه عنه».
وقال صاحب (البحر): إن الهمّ لم يقع من يوسف ڠ بل هو منتفي لوجود رؤية البرهان كما تقول: «قارفت الذنب لولا أن عصمك الله»، وكقول العرب «أنت ظالم إن فعلت»، وتقديره: إن فعلت فأنت ظالم، وكذلك هنا التقدير لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها ولكنه وجد رؤية البرهان فانتفى الهمّ، «ولقد شَهِدَتْ له امرأة العزيز بذلك عند قولها: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ﴾( )، أي: استعصى عليَّ واستعفّ وامتنع مما أريده، طالبًا العصمة لنفسه عن ذلك»( ).
الوقفة الرابعة: التساهل في دخول الرجال والخدم للبيوت من أسباب وقوع كثير من الحوادث التي تتسبب في انتهاك الأعراض سواءً من المرأة أو الرجل، كما أن ضعف الغيرة لدى الرجل على عرضه هو من دواعي جرأة المرأة وتحللها من سترها، ويظهر أن العزيز كان من هذا الصنف من الرجال، قال ابن كثير: «كان زوجها لين العريكة سهلاً، أو أنه عذرها؛ لأنها رأت ما لا صبر لها عنه»( ).
الوقفة الخامسة: الصحبة السيئة من أسباب انحراف المرء، وظهر ذلك في مشاركة النسوة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام فيما أرادت بعد أن رأينه، وبعد أن صرحت هي لهن برغبتها الشاذة ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ﴾( )، فما كان منهن إلا أن شاركنها بالرغبة.
وظهر ذلك في قوله تعالى: ﴿ قال رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾( )، في حين أنهنّ لو كنّ صالحات لنصحنها وذكرَّنهـا بالله ، بل ووبَّخنها على فعلتها، وهجرن مجلسها إن أصرَّت، وربما كان في ذلك رادعًا لها.