مشكلة زوجية وحلها :
زوجان في عمر الستين ، لهما من العشرة على ما يربو على أربعين عاما :
١- زوجته لا تعطيه مساحة من الحرية ويشعر انه دائما مقيد وكانه مربوط في البيت ، تريده دائما في البيت وهو يرغب يذهب لاصحابه ويشاركهم المناشط والبرامج وهي تريد ان يجلس في البيت .
٢- وايضا هي لا تنام إلا بعد الفجر وتجلس من النوم بعد صلاة الظهر وهي تلزمه بهذا السلوك ان يسهر معها
٣- وهي مقصره في حق الفراش الشرعي
٤- وهو يهددها بالزوجة الثانية إذا لم تسمح له بقضاء أوقاته مع إخوانه بما هو نافع ومفيد ، وهي تهدده ببيع حصتها من البيت، وتسكن مع ولدها وانت عيش مع البنات بالإيجار
فما هو الحل مع هذين الزوجين ؟
بقلم د.محمد يوسف الشطي
الجواب :
إن المشكلة هنا ليست في خروج الزوج وحده، ولا في سهر الزوجة وحده، بل في تراكم عاداتٍ ومشاعر لم تُعالَج بالحوار الهادئ، حتى تحولت الحياة الزوجية إلى تضييق وتهديد ومقاومة ، والحل لا يكون بالغلبة وكسر الطرف الآخر، وإنما بالعدل والتفاهم وإعادة ترتيب الحياة.
أولا : الاعتراف بأن لكل واحد منهما حقًّا ومساحةً خاصة :
١- ليس من حق الزوجة أن تجعل زوجها حبيس البيت، كما ليس من حق الزوج أن يهجر بيته وأهله ويقضي أكثر وقته مع أصحابه.
٢- فللزوج حق في زيارة أصدقائه، وحضور المناسبات والبرامج النافعة، وصلة رحمه، ما دام ذلك في حدود الاعتدال ولا يترتب عليه تضييع حق زوجته وبيته.
٣-،وفي المقابل، للزوجة حق في الأنس بزوجها، والشعور بقربه واهتمامه، لا أن يكون البيت عنده مجرد مكان للنوم.
٤- فالقاعدة العادلة: لا حبس للزوج، ولا إهمال للزوجة ، قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[النساء: 19].
ثانيا : وضع جدول أسبوعي واضح ومتفق عليه :
١- بدل أن يكون خروج الزوج سببًا للنزاع كل مرة، يتفقان على برنامج ثابت، مثل:
* ليلتين أو ثلاثًا في الأسبوع يخرج فيهما الزوج لأصحابه أو برامجه المناسبة.
* ليلتان يكون فيهما مع زوجته وأهل بيته.
* يوم للأسرة والأبناء والأحفاد.
* وقت أسبوعي خاص يخرجان فيه معًا، ولو لزيارة أو عشاء أو نزهة قصيرة.
٢- وجود الجدول يمنع المفاجآت، ويشعر الزوج بالحرية، ويشعر الزوجة بالأمان والاهتمام.
ثالثا : معالجة السهر وقلب نظام الليل والنهار :
١- النوم بعد الفجر والاستيقاظ بعد الظهر بصورة دائمة يضر بالصحة، ويعطل مصالح الإنسان، ويؤثر في الصلاة والحياة الزوجية والاجتماعية.
٢- ليس من العدل أن تُلزم الزوجة زوجها بالسهر معها، خصوصًا إذا كان يتضرر صحيًّا أو تعبديًّا أو نفسيًّا.
يقال لها بلطف:
أنا أحب الجلوس معك، لكن لا أستطيع أن أجعل حياتي كلها سهرًا إلى الفجر ونومًا في النهار. سأجلس معك وقتًا مناسبًا، ثم أنام، وأرجو أن نتعاون على تعديل نظام حياتنا تدريجيًّا.
٣-،ويبدأ التعديل تدريجيًّا، بتقديم موعد النوم نصف ساعة أو ساعة كل عدة أيام، وليس بصورة مفاجئة.
رابعا : الحديث الصريح والهادئ عن حق الفراش :
١- حق الفراش حق شرعي مشترك، وليس أداة للضغط أو العقوبة أو المساومة. ولا يجوز لأحد الزوجين أن يهمل حاجة الآخر بلا عذر معتبر.
٢- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي ﷺ: «إذا دَعا الرَّجُلُ امرَأتَه إلى فِراشِه فلم تَأتِه، فباتَ غَضبانَ عليها، لَعَنَتها المَلائِكةُ حتَّى تُصبِحَ )
رواه البخاري ( 3237 ) ومسلم ( 1436 )
٣-،لكن ينبغي للزوج قبل اللوم أن يتحقق من سبب تقصير زوجته؛ فقد يكون وراء ذلك مرض، أو ألم، أو تغيرات جسدية مرتبطة بالعمر، أو أدوية، أو إرهاق نفسي، أو جفاء متراكم، أو شعور بعدم التقدير.
٤- لذلك يكون الحوار بعيدًا عن الاتهام، فيقول لها:
أنا لا أريد أن أضغط عليك، ولكنني أتألم من ابتعادك عني، وأرغب أن نبحث عن السبب والعلاج بما يرضي الله ويحفظ مودتنا.
٥- وإن كان السبب صحيًّا، فتراجع طبيبة متخصصة، وإن كان نفسيًّا أو عاطفيًّا، فتعالج أسبابه بالمصارحة والاهتمام والتقارب.
خامسا : إيقاف لغة التهديد من الطرفين :
١- تهديد الزوج بالزواج الثاني، وتهديد الزوجة ببيع حصتها من البيت والذهاب إلى ولدها، كلاهما يزيد الجفاء، ولا يصنع حلًّا.
٢- فالزواج الثاني حكم شرعي مباح عند القدرة والعدل، لكنه لا ينبغي أن يُستخدم كسلاح لإرهاب الزوجة أو إذلالها، ولا أن يكون قرارًا انفعاليًّا بسبب خلاف يمكن علاجه.
٣- كما أن بيع الزوجة حصتها وترك البيت والذهاب إلى ولدها قد يؤدي إلى تفكك الأسرة، وإقحام الأبناء والبنات في خصومة والديهم، وربما يورث قطيعة لا تزول.
٤- المطلوب أن يتفقا على عبارة واضحة:
لا تهديد بالزواج عند كل خلاف، ولا تهديد بترك البيت أو بيعه، وإنما نناقش كل مشكلة بعقل وهدوء.
سادسا : عدم إدخال الأبناء في النزاع
١- من الخطأ أن تقول الزوجة: «أسكن مع ولدي وأنت اسكن مع البنات»، لأن الأبناء ليسوا أطرافًا في المعركة، وليس من العدل توزيع الوالدين بينهم بهذه الطريقة.
٢- ينبغي أن يبقى الأبناء محل برّ وصلة، لا محل تحالف وانقسام؛ فالأم لا تحرّض ولدها على أبيه، والأب لا يشكو زوجته لبناته بما يسقط مكانتها في نفوسهن.
٣- يمكن الاستعانة بابن أو ابنة عاقلة وموثوقة للإصلاح، بشرط ألا ينحاز ولا ينشر الأسرار.
سابعا : اختيار وسيط حكيم قبل اتخاذ القرارات الكبيرة :
١- إذا عجز الزوجان عن الوصول إلى اتفاق، فليختارا شخصين حكيمين؛ واحدًا من أهل الزوج، وواحدًا من أهل الزوجة، أو مستشارًا أسريًّا أمينًا.
قال الله تعالى:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35].
٢- ويُكتب أمام الوسيط اتفاق واضح يتضمن:
* أوقات خروج الزوج.
* أوقات بقائه مع زوجته.
* تنظيم النوم.
* معالجة حق الفراش.
* وقف التهديدات.
* عدم إشراك الأبناء في الخصومة.
ثامنا : أن يراجع الزوج أسلوبه أيضًا
١- مع ثبوت حق الزوج في الخروج وفي المعاشرة، ينبغي أن يسأل نفسه بصدق:
هل يشعر زوجته بالاهتمام؟
هل يثني عليها ويشكرها بعد هذه السنين؟
هل يخرج معها كما يخرج مع أصحابه؟
هل يجلس معها بقلبه أم بجسده وهاتفه؟
هل كانت تلجأ إلى التضييق لأنها تخشى الوحدة أو تشعر بأنه يستمتع خارج البيت أكثر مما يستمتع معها؟
٢- ليس كل تضييق من الزوجة صحيحًا، لكنه أحيانًا يكون تعبيرًا خاطئًا عن خوف أو غيرة أو حاجة عاطفية.
تاسعا : أن تدرك الزوجة أن المحبة لا تعني السيطرة :
١- الزوجة الحكيمة لا تربط زوجها في البيت، بل تجعله يشتاق إلى العودة إليه. وكثرة الاعتراض والمراقبة والتذمر قد تدفع الزوج إلى النفور، بينما الكلمة الطيبة والثقة وحسن الاستقبال تقربه منها.
٢- يقال لها برفق:
بقاؤه معك بالمودة خير من بقائه بالقوة، وعودته إليك مشتاقًا خير من جلوسه بجوارك متضايقًا.
٢- كما ينبغي أن تعلم أن حرمان الزوج من حقه، أو إلزامه بنظام حياة يضره، أو تهديده بتمزيق الأسرة، ليست وسائل صحيحة لحفظ الزواج.
عاشرا : تجربة اتفاق إصلاحي لمدة ثلاثة أشهر
١- قبل الحديث عن الزواج الثاني أو بيع البيت أو الانفصال، يجربان ثلاثة أشهر منضبطة:
* يخرج الزوج في أوقات محددة متفق عليها.
* يخصص لزوجته وقتًا ثابتًا يوميًّا وأسبوعيًّا.
* لا يُلزم بالسهر بعد الوقت المناسب.
* تبدأ الزوجة في تعديل نومها تدريجيًّا.
* يراجعان طبيبًا أو مستشارًا لمعرفة أسباب ضعف العلاقة الخاصة.
* يمنع التهديد والخصام أمام الأبناء.
* يعقدان جلسة هادئة كل أسبوع لمراجعة ما تحسن وما يحتاج إلى تعديل.
٢- فإن نجحت التجربة، فقد حفظا بيتًا عمره أربعون عامًا، وإن تعثرت، فحينئذٍ يُلجأ إلى التحكيم الأسري والشرعي قبل اتخاذ أي قرار مصيري.
٣- كلمة إلى الزوج :
لا تجعل رغبتك في الحرية تتحول إلى غياب عن زوجتك، ولا تجعل الزواج الثاني كلمة تهديد تُلقى عند الغضب. كن واضحًا وحازمًا بلا ظلم، ورفيقًا بلا ضعف، وأعط زوجتك من وقتك وحنانك كما تطالبها بحقوقك.
٤- كلمة إلى الزوجة
زوجك ليس سجينًا في البيت، وله حق في أصحابه وصلاته وبرامجه وحياته الاجتماعية المعتدلة ، فلا تجعلي حبك له قيدًا عليه، ولا تجعلي الفراش أو السهر أو البيت وسائل للضغط؛ فالعشرة الطويلة تستحق منك مرونةً وحكمةً وحفظًا للجميل.
الحادي عشر : الخلاصة :
١- الحل ليس أن ينتصر الزوج على زوجته، ولا أن تُخضع الزوجة زوجها، بل أن ينتصرا معًا على العناد والتراكمات. وبعد أربعين عامًا، لا ينبغي أن تُهدم الذكريات والذرية والبيت بسبب عادات قابلة للتعديل وحوار تأخر كثيرًا.
٢- وليقل كل واحد منهما للآخر:
بقي من العمر أقل مما مضى، فلنجعل ما بقي أجمل، ولنحفظ العشرة، ونتنازل عن بعض ما نحب، حتى لا نخسر ما هو أحب وأبقى.
اللهم أصلح ذات بيننا ، وألف على الخير قلوبنا ، واهدنا سبل السلام ، ونجنا من الظلمات إلى النور .




