علاج رجل مبتلى بالمشاهد الاباحية واستعمال العادة السرية وكثرة الألعاب الاكترونية ؟

علاج رجل مبتلى بالمشاهد الاباحية واستعمال العادة السرية وكثرة الألعاب الاكترونية ؟

السؤال :

علاج رجل مبتلى بالمشاهد الاباحية واستعمال العادة السرية وكثرة الألعاب الاكترونية ؟
بقلم أ.د.محمد يوسف الشطي
الجواب :

أسأل الله أن يعافيه ويهديه ويصلح بيته، وهذا البلاء لا يُعالج بالتوبيخ وحده، ولا بالتساهل معه، بل يحتاج إلى خطة إيمانية ونفسية وسلوكية وأسرية حازمة؛ لأنه اجتمعت فيه ثلاثة أبواب خطيرة: إدمان النظر الحرام، والاستمناء، والهروب بالألعاب، والتقصير في حق الزوجة والأولاد.

أولًا: إيقاظ الإيمان والخوف من الله

هذا الرجل طبيب، وصاحب عقل، وزوج وأب، وليس مراهقًا عابرًا؛ ولذلك ينبغي أن يخاطب نفسه بصدق:
كيف أكون أمينًا على أجساد الناس، ثم أخون أمانة عيني وبيتي وقلبي؟

قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ النور: 30.

وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ الإسراء: 36.

وقال النبي ﷺ: «العينان تزنيان وزناهما النظر»
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج، رقم: 6243، ومسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب قُدِّر على ابن آدم حظه من الزنا، رقم: 2657.

فليعلم أن النظر ليس ترفيهًا بريئًا، بل هو بداية طريق يضعف الإيمان، ويقسي القلب، ويهدم الحياء، ويُفسد العلاقة الزوجية.

ثانيًا: الاعتراف بأن هذا إدمان يحتاج علاجًا لا مجرد ندم مؤقت

من علامات الإدمان هنا:
أن يكرر الفعل مع علمه بحرمته، وأن يهرب إليه عند الضيق أو الفراغ، وأن يؤثر في مسؤوليته الزوجية والأبوية، وأن يعجز عن التوقف رغم الوعود.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ البقرة: 168.
فالشيطان لا يسقط الإنسان مرة واحدة، بل بخطوات:
نظرة، ثم فضول، ثم تكرار، ثم عادة، ثم إدمان، ثم برود تجاه الزوجة، ثم تقصير في البيت، ثم قسوة قلب.
والعلاج يبدأ بجملة صادقة يقولها لنفسه:
أنا لست مستمتعًا فقط، أنا مستعبد لشهوة، وأريد أن أتحرر منها لله ثم لبيتي ونفسي.

ثالثًا: التوبة العملية لا اللفظية فقط

التوبة الصادقة لها شروط:
الإقلاع عن الذنب، والندم، والعزم على عدم الرجوع، وإصلاح ما أفسده الذنب.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾
التحريم: 8.
وقال تعالى:
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ الفرقان: 70.
وقال النبي ﷺ: «كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون»
أخرجه الترمذي في سننه، كتاب صفة القيامة، باب منه، رقم: 2499، وابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، رقم: 4251، وحسنه الألباني.

فليحذر من توبة اللسان فقط: “آخر مرة”، ثم يبقي الهاتف مفتوحًا، والخلوة موجودة، والبرامج كما هي، والسهر كما هو.

رابعًا: إغلاق أبواب الفتنة فورًا
لا بد من إجراءات حاسمة، لا عاطفية:

١- حذف كل المواقع والحسابات والتطبيقات المثيرة.
٢- وضع برامج حجب للمواقع الإباحية على الهاتف والكمبيوتر.
٣- جعل الأجهزة في أماكن مكشوفة لا في غرفة مغلقة.
٤- منع استخدام الهاتف في الحمام أو وقت النوم.
٥- تسليم كلمة مرور الحجب لشخص موثوق أو للزوجة إن كان ذلك لا يسبب فتنة أكبر.
٦- النوم مبكرًا؛ لأن أكثر الانتكاسات تكون في الليل والوحدة.
٧- عدم حمل الهاتف إلى الفراش مطلقًا.

قال النبي ﷺ: «ومن يستعفف يعفه الله»
أخرجه البخاري ، رقم: 1469، ومسلم ، رقم: 1053.
والاستعفاف ليس دعاء فقط، بل أخذ بالأسباب وإغلاق للأبواب.

خامسًا: علاج العادة السرية بقطع أسبابها

الاستمناء غالبًا لا يبدأ من الجسد، بل من: نظرة، أو خيال، أو فراغ، أو توتر، أو سهر، أو وحدة.
قال الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ۝ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ… فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ المؤمنون: 5-7.

فعليه أن يعالج الأصل لا النتيجة فقط:
إذا جاءته الرغبة فليقم فورًا من مكانه، يتوضأ، يخرج من الغرفة، يمشي عشر دقائق، يتصل بصديق صالح، أو ينشغل بعمل بدني. لا يبقى وحده يصارع الخيال؛ لأن الخلوة مع الشهوة ضعف.

وقال النبي ﷺ: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب قول النبي ﷺ: من استطاع منكم الباءة فليتزوج، رقم: 5066، ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، رقم: 1400.

ومع أنه متزوج، إلا أن معنى الحديث يدل على أن علاج الشهوة يكون بطريق الحلال وضبط النفس، لا بإطلاق البصر والخيال.

سادسًا: إصلاح العلاقة الزوجية بدل الهروب إلى الحرام :
من آثار الإباحية أنها تجعل الرجل يقارن زوجته بصور محرمة مصنوعة ومزيفة، فيضعف حبه، ويقل رضاه، وربما يزهد في الحلال.

قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ النساء: 19.

وقال النبي ﷺ: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»
أخرجه الترمذي رقم: 3895، وابن ماجه ، رقم: 1977، وصححه الألباني.
وعليه أن يبدأ بإعادة بناء الحلال:
يجلس مع زوجته، يحسن كلامه، يعتذر عن تقصيره، يخصص لها وقتًا، يتجمل لها كما يحب أن تتجمل له، ويصارحها بقدر حكيم دون تفاصيل جارحة، ويطلب منها المعاونة لا التفتيش والإهانة.
ولا يجوز أن يجعل الزوجة تدفع ثمن ذنبه ببرود، أو عصبية، أو هجر، أو تقصير.

سابعًا: تحمّل مسؤولية البيت والأولاد

هذا الباب خطير جدًا؛ لأن الذنب لم يبقَ بينه وبين نفسه، بل صار أثره على زوجة وأولاد.
قال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته»
أخرجه البخاري – رقم: 893، ومسلم – ، رقم: 1829.
فليتذكر أن أولاده لا يحتاجون أبًا حاضرًا بالجسد غائبًا بالهاتف، ولا زوجته تحتاج رجلًا ينام ويأكل ويلعب فقط.
الرجولة ليست شهادة طب، ولا راتبًا، ولا مكانة اجتماعية؛ الرجولة أمانة وقيام واحتواء.

من العلاج العملي:
١- قضاء ساعة يومية للأولاد بلا هاتف، ٢- الجلسة العائلية الأسبوعية مع الزوجة .
٣- متابعة دراسة الأبناء .
٤- مشاركة البيت في قضاء حاجات البيت الأسبوعية .
٥- ترك واعتزال السهر غير المفيد .

ثامنًا: ضبط الألعاب الإلكترونية لأنها صارت مهربًا لا ترفيهًا :

الألعاب إذا أخذت وقت الصلاة، أو حق الزوجة، أو تربية الأولاد، أو العمل، أو النوم، صارت باب تضييع.
قال النبي ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»
أخرجه البخاري – رقم: 6412.
وقال ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيم أفناه…»
أخرجه الترمذي ، رقم: 2417، وقال: حسن صحيح.

العلاج:
١- تحديد وقت خاص للألعاب الاكترونية بحيث لا تتجاوز الساعة الواحدة في اليوم،
٢- وقف الألعاب شهرًا كاملًا إن كانت سببًا في ضياع البيت ، ومن لم يملك نفسه في المباح، جره المباح إلى الحرام.
٣- استبدال اللعب بحفظ القرآن وتعلم تلاوته مع احد مراكز القرآن الكريم .
٤- حضور الملتقيات العلمية ومجالس الخير النافعة .

تاسعًا: برنامج عبادي يومي مختصر لكنه ثابت

لا نريد برنامجًا طويلًا لا يستمر، بل برنامجًا واقعيًا:

١- المحافظة على الصلوات في وقتها، وخصوصًا الفجر.
٢- المحافظة على الورد اليومي من قراءة القرآن الكريم ولو صفحة واحدة.
٣- الالتزام بأذكار الصباح والمساء.
٤- الاستغفار 100 مرة يوميًا.
٥- أن تبدأ هذا البرنامج بركعتين لإعلان التوبة من جميع الاخطاء والسيئات .
٦- صيام الاثنين أو الخميس إن استطاع.
٧- دعاء ثابت: اللهم طهّر قلبي، وحصّن فرجي، واغفر ذنبي، واصرف عني الفتن ما ظهر منها وما بطن.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ العنكبوت: 45.
وقال النبي ﷺ: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»
أخرجه الترمذي، رقم: 2140، وقال: حسن.

عاشرًا: المحافظة على الصحبة الصالحة :
من أكبر أسباب الانتكاس السرية المطلقة. : يحتاج إلى رجل صالح عاقل، أو معالج موثوق، أو مستشار أسري، يتابعه أسبوعيًا بلا فضائح ولا تشهير.

قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الكهف: 28.
وقال النبي ﷺ: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»
أخرجه أبو داود ، رقم: 4833، والترمذي ، رقم: 2378، وحسنه الألباني.

ومن العلاج النافع:
تقرير أسبوعي مختصر:
١- كم يومًا بلا مشاهدة؟
٢- كم يومًا بلا استمناء؟
٣- كم صلاة في وقتها؟
٤- كم ساعة مع الأسرة؟
٥- أين حصل الضعف؟
٦- وما الخطة للأسبوع القادم؟

الحادي عشر: العلاج النفسي المتخصص عند الحاجة

إذا كان لا يستطيع التوقف، أو يرجع بسرعة، أو تأثرت علاقته الزوجية والعمل والبيت، فليذهب إلى معالج نفسي متخصص في الإدمان السلوكي أو الإدمان الجنسي. وهذا ليس عيبًا، بل من الأخذ بالأسباب.

قال النبي ﷺ:
«تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء»
أخرجه أبو داود ، رقم: 3855، والترمذي ، رقم: 2038، وقال: حسن صحيح.

والطبيب أولى الناس بفهم أن المرض لا يعالج بالإنكار، بل بالتشخيص والعلاج والمتابعة.

الثاني عشر: خطة ثلاثين يومًا

الأسبوع الأول:
حذف المواد الإباحية .
٢- ، تركيب نظام الحجب .
٣- إغلاق الهاتف ليلًا .
٤- المحافظة على صلاة الفجر .
٥- محاسبة النفس على ما فرطت في جنب الله تعالى ،
٦- التقليل من الألعاب 50% إلى تركها نهائيا لانه لا تليق بالطبيب المشغول

الأسبوع الثاني:
بدء رياضة يومية 30 دقيقة، جلسة يومية مع الأولاد، لقاء خاص مع الزوجة، صيام ثلاثة ايام في الشهر .

الأسبوع الثالث:
إيقاف الألعاب مؤقتًا إن كانت سببًا للضياع، متابعة مع شخص موثوق، قراءة يومية للقرآن، مراجعة الانتكاسات.

الأسبوع الرابع:
تثبيت النظام، مكافأة النفس بالحلال، وضع خطة شهرية، والبدء في علاج متخصص إن بقيت الانتكاسات قوية.

كلمة الختام

١-أنت لست جسدًا تطلب شهوة، أنت عبد لله، وزوج لامرأة ائتمنتك، وأب لأولاد ينظرون إليك، وطبيب يرى الناس فيك عقلًا ومكانة.
فلا تجعل شاشة رخيصة تهدم بيتك، ولا تجعل دقائق حرام تسرق منك نور القلب، وحياء الوجه، وبركة العمر.

٢- باب التوبة مفتوح، لكن العمر ليس مفتوحًا. : ابدأ اليوم، لا غدًا. أغلق الباب، توضأ، صل ركعتين، اعتذر لربك، ثم قم بحق بيتك. ومن صدق مع الله صدقه الله.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ العنكبوت: 69.

 

Scroll to Top